السائح
04/06/2004, 08:56 PM
.
.
أظنُ- وأغلب الظن إثم- أنه لا توجد امرأة استأثرت بالكثير من أحاديث وحكايات بني جنسيتها، كما استأثرت به ونالته المرأة السعودية، فأغلب السعوديين- شيوخاً وكهولاً وشباباً- تتسيّد المرأة السعودية أحاديثهم ومسامراتهم، سواءً في الجلسات الضحوية التي يعقدها المتقاعدون! أو في تلك الجلسات المسائية في استراحات تطوّق المدن.
الساعات الطوال، التي يمضيها أغلب السعوديين في أحاديثهم وحكاياتهم عن المرأة، لاتتناول من قريبٍ أو بعيدٍ حقوقها وواجباتها، ولا تتلمس فداحة الظلم الاجتماعي الجاثم عليها، ولا تثمن في المقابل عطاءاتها وإبداعاتها، إنما تتمحور حول كثير من السخرية والتندر وإطلاق النكات، التي ساهم في نقلها وترويجها الهاتف المحمول، ولايتسع المجال هنا، لسرد شيء من تلك النكات سوى أنني أكتفي بإيراد هذه النكتة التي كتبتها قبلي الدكتورة هيا المنيع، والتي تقول أن سعودياً متزوجاً من ثلاث، سعودية ولبنانية وسورية، وفي صباحه الباكر نادى على زوجته السورية قائلاً: أحضري الزبدة يازبدة! ونادى اللبنانية قائلاً: أحضري القشدة ياقشطة! ونادى زوجته السعودية قائلاً: أحضري اللبن يابقرة!!
هذه واحدة من عشرات النكات يتمُ تناقلها بشكلٍ مزعجٍ وإهانة بالغة، والتي تضاف إلى الرصيد الهائل في ثقافتنا المحلية القائم على تحقير وتسفيه المرأة، بدءً من مفردة "هيش" التي يتمُ بها مخاطبة المرأة، وليس انتهاءً بتوظيف التقنية الحديثة لتمارس دورها في السخرية والتندر .
لايمكنك أن تدخل أغلب مجالس كبار السن، إلا وتجد الحديثَ عن المرأة، تجد شيخاً تجاوز السبعين يتحدى وبصوتٍ مرتفع زميله في العمر، من أن يتزوج أمراة ثانية، ثم يتطوع آخر بأن تكاليف الزواج عليه، ثم يُجمع المجتمعون بأن هذا الرجل، ليس له حول ولا طول في بيته، فالأمر في يد زوجته! وأنه لايستطيع الزواج، خوفاً منها!
قلت لأبي راشد مرةً، وهو أحد أبطال هذه الأحاديث، وفارس لا يشق له غبار، أن العالم الغربي يتجه إلى ما اصطلح على تسميته بـ"الثقافة الثالثة" وهي الثقافة العلمية القائمة على التكنولوجيا، وأنت رغم عملك 40 عاماً مع الأمريكان، إلا أن الثقافة المحلية وتوصيات حميدان الشويعر في التحذير من المرأة، ماتزالُ تعشعش في أفكارك؟! قال لي: الغرب أعرفهم، ناس فاضين!
أبوفهد، شيخ تجاوز السبعين من عمره، أعرفه من سنوات قليلة، يسكن قريباً مني في القاهرة، صادفته مرةً على متن الطائرة، ومعه عائلته الكريمة، زوجتان وثلة من الأبناء والبنات، حينما افترقنا في مطار القاهرة، رجوته أن يتناول طعام العشاء معي، أجاب مشكوراً بالقبول، لكنه قال بالحرف الواحد: بعد أن أذهب بـ"الدبش" إلى منزلي!! سألته عن ماذا يعني بـ"الدبش" أجاب قائلاً: (هالحريم) !!
يذكر محمد القشعمي في كتابه "بدايات" أنه قدّم العزاء لأحد أبناء بلدته (الزلفي) في وفاة زوجته! فقال له: تعزيني بامرأة؟! إنها فردة جزمة أخلعها وألبس غيرها!
أما أبوطارق، وهو متقاعد بعد أن تجاوز الستين، فإنه ربما يُمثل استثناءً هنا، سألته عن السبب في تغيبه عن حضور جلسة "فلان" الضحوية، فقال: مللتُ ياولدي من كثرة الأحاديث عن الزواج والمرأة والتحديات التي توجه لي! وكما تعلم لي زوجتان وأولاد، وأنا سعيد بهم، ولستُ بحاجة إلى أحاديث تجلب الصداع!
إبراهيم، إنموذج حي للكثير من الشباب السعودي، يخرج من عمله الثانية ظهراً، وبعد أن يتناول غداءه، يأخذ قسطاً من الراحة، لا لتكون هذه الراحة عوناً له على قضاء حوائج عائلته، إنما لتكون عوناً له على التجلي والإبداع في السهرة اليومية، مع "الشلة" في إحدى استراحات "المونسية" والتي تبدأ من قبيل الغروب وحتى الهزيع الأخير من الليل، في غياب شبه تام عن منزله، أو فندقه كما يسميه (هو)!
أحاديث الشباب عن المرأة السعودية تختلف عن الكبار! فهم لا يتحدثون عن الزواج بأخرى! لأنهم كما يقول خالد: "توهقنا بزوجاتنا"!! إنما تدور أحاديثهم عن ما تفتقده الفتاة السعودية من أناقة ولياقة ورشاقة وجمال!!
في إحدى ليال عيد الأضحى المبارك، كان أحمد، وهو يزن 120 كيلوجراماً، متكئاً يقلب في قنواته الفضائية! وحينما دار الحديث عن الفتاة السعودية، جلس وتحدث طويلاً عنها، وقال أن المرأة السعودية تصاب بعد مولودها الأول بالترهل، لأنها لاتمارس الرياضة! وليس لديها استعداد لتكون رشيقةً على الدوام! ثم وجّه نصيحته للذين لم ينجبوا ألا يستعجلوا الإنجاب! لأن المرأة السعودية تنشغل بعد الإنجاب بولدها عن زوجها!! ولم يفُت أحمد أن ينوه إلى كسل الجيل الجديد من الفتيات السعوديات في أعمال المطبخ!
قلتُ لأحمد: أن المرأة السعودية التي تطلبُ منها أن تكون رشيقةً على الدوام، هي الأخرى تطلبُ من زوجها أن يكون رشيقاً، وأن يتساوى طوله مع وزنه! وأن يكبح جماح شهواته وملذاته! لم يعلق أحمد على كلامي كثيراً، لكنه غضب غضباً شديداً!
هذه المقال ليست دفاعاً عن المرأة السعودية، فأناقتها ليست بحاجة إلى تقييمات المتكئين على الأرائك، لكنها دعوة لبعض الشباب في أن يتواضعوا قليلاً وأن ينظروا إلى جمالهم ورشاقتهم قبل أن ينشدوها من الآخرين! وحتى لايقال أن هذه المقالة كتبت نتيجة ضغوط داخلية! أبادر إلى القول أنها مجرد انطباعات ومشاهدات عن كثير من الجلسات المكررة المملّة، وأنها ليست نتيجة ضغوط داخلية، فما زلتُ عضواً في نادي العزاب!
منشور في "الاقتصادية" الثلاثاء 2/03/2004...... للكاتب محمد السيف
.
أظنُ- وأغلب الظن إثم- أنه لا توجد امرأة استأثرت بالكثير من أحاديث وحكايات بني جنسيتها، كما استأثرت به ونالته المرأة السعودية، فأغلب السعوديين- شيوخاً وكهولاً وشباباً- تتسيّد المرأة السعودية أحاديثهم ومسامراتهم، سواءً في الجلسات الضحوية التي يعقدها المتقاعدون! أو في تلك الجلسات المسائية في استراحات تطوّق المدن.
الساعات الطوال، التي يمضيها أغلب السعوديين في أحاديثهم وحكاياتهم عن المرأة، لاتتناول من قريبٍ أو بعيدٍ حقوقها وواجباتها، ولا تتلمس فداحة الظلم الاجتماعي الجاثم عليها، ولا تثمن في المقابل عطاءاتها وإبداعاتها، إنما تتمحور حول كثير من السخرية والتندر وإطلاق النكات، التي ساهم في نقلها وترويجها الهاتف المحمول، ولايتسع المجال هنا، لسرد شيء من تلك النكات سوى أنني أكتفي بإيراد هذه النكتة التي كتبتها قبلي الدكتورة هيا المنيع، والتي تقول أن سعودياً متزوجاً من ثلاث، سعودية ولبنانية وسورية، وفي صباحه الباكر نادى على زوجته السورية قائلاً: أحضري الزبدة يازبدة! ونادى اللبنانية قائلاً: أحضري القشدة ياقشطة! ونادى زوجته السعودية قائلاً: أحضري اللبن يابقرة!!
هذه واحدة من عشرات النكات يتمُ تناقلها بشكلٍ مزعجٍ وإهانة بالغة، والتي تضاف إلى الرصيد الهائل في ثقافتنا المحلية القائم على تحقير وتسفيه المرأة، بدءً من مفردة "هيش" التي يتمُ بها مخاطبة المرأة، وليس انتهاءً بتوظيف التقنية الحديثة لتمارس دورها في السخرية والتندر .
لايمكنك أن تدخل أغلب مجالس كبار السن، إلا وتجد الحديثَ عن المرأة، تجد شيخاً تجاوز السبعين يتحدى وبصوتٍ مرتفع زميله في العمر، من أن يتزوج أمراة ثانية، ثم يتطوع آخر بأن تكاليف الزواج عليه، ثم يُجمع المجتمعون بأن هذا الرجل، ليس له حول ولا طول في بيته، فالأمر في يد زوجته! وأنه لايستطيع الزواج، خوفاً منها!
قلت لأبي راشد مرةً، وهو أحد أبطال هذه الأحاديث، وفارس لا يشق له غبار، أن العالم الغربي يتجه إلى ما اصطلح على تسميته بـ"الثقافة الثالثة" وهي الثقافة العلمية القائمة على التكنولوجيا، وأنت رغم عملك 40 عاماً مع الأمريكان، إلا أن الثقافة المحلية وتوصيات حميدان الشويعر في التحذير من المرأة، ماتزالُ تعشعش في أفكارك؟! قال لي: الغرب أعرفهم، ناس فاضين!
أبوفهد، شيخ تجاوز السبعين من عمره، أعرفه من سنوات قليلة، يسكن قريباً مني في القاهرة، صادفته مرةً على متن الطائرة، ومعه عائلته الكريمة، زوجتان وثلة من الأبناء والبنات، حينما افترقنا في مطار القاهرة، رجوته أن يتناول طعام العشاء معي، أجاب مشكوراً بالقبول، لكنه قال بالحرف الواحد: بعد أن أذهب بـ"الدبش" إلى منزلي!! سألته عن ماذا يعني بـ"الدبش" أجاب قائلاً: (هالحريم) !!
يذكر محمد القشعمي في كتابه "بدايات" أنه قدّم العزاء لأحد أبناء بلدته (الزلفي) في وفاة زوجته! فقال له: تعزيني بامرأة؟! إنها فردة جزمة أخلعها وألبس غيرها!
أما أبوطارق، وهو متقاعد بعد أن تجاوز الستين، فإنه ربما يُمثل استثناءً هنا، سألته عن السبب في تغيبه عن حضور جلسة "فلان" الضحوية، فقال: مللتُ ياولدي من كثرة الأحاديث عن الزواج والمرأة والتحديات التي توجه لي! وكما تعلم لي زوجتان وأولاد، وأنا سعيد بهم، ولستُ بحاجة إلى أحاديث تجلب الصداع!
إبراهيم، إنموذج حي للكثير من الشباب السعودي، يخرج من عمله الثانية ظهراً، وبعد أن يتناول غداءه، يأخذ قسطاً من الراحة، لا لتكون هذه الراحة عوناً له على قضاء حوائج عائلته، إنما لتكون عوناً له على التجلي والإبداع في السهرة اليومية، مع "الشلة" في إحدى استراحات "المونسية" والتي تبدأ من قبيل الغروب وحتى الهزيع الأخير من الليل، في غياب شبه تام عن منزله، أو فندقه كما يسميه (هو)!
أحاديث الشباب عن المرأة السعودية تختلف عن الكبار! فهم لا يتحدثون عن الزواج بأخرى! لأنهم كما يقول خالد: "توهقنا بزوجاتنا"!! إنما تدور أحاديثهم عن ما تفتقده الفتاة السعودية من أناقة ولياقة ورشاقة وجمال!!
في إحدى ليال عيد الأضحى المبارك، كان أحمد، وهو يزن 120 كيلوجراماً، متكئاً يقلب في قنواته الفضائية! وحينما دار الحديث عن الفتاة السعودية، جلس وتحدث طويلاً عنها، وقال أن المرأة السعودية تصاب بعد مولودها الأول بالترهل، لأنها لاتمارس الرياضة! وليس لديها استعداد لتكون رشيقةً على الدوام! ثم وجّه نصيحته للذين لم ينجبوا ألا يستعجلوا الإنجاب! لأن المرأة السعودية تنشغل بعد الإنجاب بولدها عن زوجها!! ولم يفُت أحمد أن ينوه إلى كسل الجيل الجديد من الفتيات السعوديات في أعمال المطبخ!
قلتُ لأحمد: أن المرأة السعودية التي تطلبُ منها أن تكون رشيقةً على الدوام، هي الأخرى تطلبُ من زوجها أن يكون رشيقاً، وأن يتساوى طوله مع وزنه! وأن يكبح جماح شهواته وملذاته! لم يعلق أحمد على كلامي كثيراً، لكنه غضب غضباً شديداً!
هذه المقال ليست دفاعاً عن المرأة السعودية، فأناقتها ليست بحاجة إلى تقييمات المتكئين على الأرائك، لكنها دعوة لبعض الشباب في أن يتواضعوا قليلاً وأن ينظروا إلى جمالهم ورشاقتهم قبل أن ينشدوها من الآخرين! وحتى لايقال أن هذه المقالة كتبت نتيجة ضغوط داخلية! أبادر إلى القول أنها مجرد انطباعات ومشاهدات عن كثير من الجلسات المكررة المملّة، وأنها ليست نتيجة ضغوط داخلية، فما زلتُ عضواً في نادي العزاب!
منشور في "الاقتصادية" الثلاثاء 2/03/2004...... للكاتب محمد السيف