المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عرس الوفاء في (ماربل آرش)!


سهم بن كنانة
05/12/2007, 04:25 PM
عرس الوفاء في "ماربل آرش"!



كان يوم السابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي يوماً استثنائياً في حياة المبتعثين السعوديين في بريطانيا، وفي حياة عبدالله الناصر، الملحق الثقافي السعودي في ذلك البلد. في مساء ذلك اليوم قرر الطلبة السعوديون إقامة حفل كبير يودعون فيه «ناصرهم» الذي أشرف على مسـيرة المبتعثين في بريطانيا وايرلندا على مدى ربع قرن. كان احتفالاً فريداً بكل المقاييس، بجمهوره، ببرنامجه، بمنظميه، بمكانه، وقبل كل شيء، بالصدق الذي طبع كلماته وقصائده. كان الناصر بالطبع نجم الحفل، أو «عريسه» حسب وصف الزميل زياد الدريس. في حقيقة الأمر، كان الحفل أكثر من مجرد «عرس» لعبدالله الناصر. العريس عادة لا يحاط بما أحيط به هذا الرجل في فندق ثسل/ ماربل آرش في لندن. لقد درست في الولايات المتحدة وبريطانيا وعاصرت أكثر من ملحق تعليمي وثقافي لم يستطيعوا كسب قلوب وعقول المغتربين السعوديين كما فعل الناصر. كان في مقدم الحضور سفير السعودية الأمير محمد بن نواف، وكوكبة من المثقفين والأدباء والمسؤولين (سعوديين وغير سعوديين)، جاؤوا من بقاع شتى لقول كلمة «شكراً» للناصر. لم يشكر هؤلاء الرجل بصفته موظفاً أنهى فترة عمله فقط، بل لأنه أديب وروائي ومثقف عروبي وإسلامي. شكروه أيضاً لأنه بذل جهوداً تتجاوز حدود وظيفته لمساعدة الطلاب وتشجيعهم، والأخذ بأيديهم لتمثيل بلدهم، والتكيف مع المجتمع الذي يعيشون فيه.

عدد من الطلاب رددوا كلمة «أب» لوصف نظرتهم إلى «أبو عبد العزيز» كما يحلو لهم أن يسموه، مقدمين شواهد كثيرة على هذا الدور. يروي أحد المبتعثين، وهو محمد الحسون، أنه في مستهل دراسته الأكاديمية قرر فجأة إنهاءها والعودة إلى بلاده، وذهب إلى الناصر ليبلغه بذلك. حدثه الناصر عن النجاح والإخفاق، وضرورة التغلب على مشاعر اليأس، وأهمية الإصرار على تحقيق الآمال والطموحات. لكن الطالب أصر على العودة، فأخذ الناصر جوازه، لينهي إجراءات سفره. ولما عاد الحسون ليستلم الجواز وتذكرة السفر، فوجئ بالناصر يخبره (على طريقة طارق بن زياد) بأنه سيحتفظ بجوازه، وألا خيار أمامه سوى الدراسة. أكمل الحسون مشواره التعليمي، ونال الدرجة العلمية التي ابتعث من أجلها، وهو مدين للناصر بنجاحه.

من المواقف التي رددها عدد من المبتعثين الذين التقيتهم في حفل التكريم أن الطالب ربما تنتهي بعثته وهو لم ينجز دراسته بعد، فتتوقف مخصصاته، ويراسل المكتب الثقافي مرجع الطالب للحصول على إذن بالتمديد. المؤسف أن الحصول على هذا الإذن يستغرق في بعض الأحيان بضعة أشهر، ويبقى الطالب بلا مخصصات طوال هذه الفترة. يقطع الناصر أميالاً أطول في هذه المسألة الشائكة، متحملاً مسؤولية أكبر وموعزاً إلى الشؤون المالية بالمكتب بمواصلة الصرف على الطالب حتى يرد (المرجع) على طلب التمديد. ليس ذلك فحسب، ربما يضطر الناصر إلى مساعدة الطالب من حر ماله. أكد أحد المبتعثين أن طالباً انتهت بعثته بطريقة نظامية جاء إلى الناصر مقراً بأنه استهلك فترة ابتعاثه من دون تحقيق تقدم، لكنه بأمس الحاجة إلى المال، فعرض عليه الناصر منحه راتبه الشخصي لشهر واحد، فقال الطالب: لا يكفيني، فعرض عليه مبلغ راتبين، فقبل بامتنان.

كان من بين متحدثي الحفل إلهام قطان (طبيبة سعودية مبتعثة) قدمت شكرها للناصر؛ لأنه كما تقول ساعدها أثناء مرض أبيها وعلاجه في لندن، وأنه كان لها «الأب والأخ». لم يكن الناصر حريصاً على المبتعثين فحسب، بل على الطلاب الذين يدرسون على حسابهم الخاص أيضاً. يقول صالح الشيحي (كاتب عمود وموظف في المكتب الثقافي) إن الناصر التقى وزير التعليم العالي خالد العنقري على هامش اجتماعات الحوار الوطني التي عقدت في مدينة الجوف شمالي السعودية، في الثامن من أيار (مايو) 2006، وعرض عليه أهمية انضمام300 طالب سعودي مغترب في بريطانيا إلى البعثة، فوافق الوزير لكنه طلب منه خطاباً بذلك، وهنا أخذ الناصر ورقة من أوراق المؤتمر، وكتب فيها الموضوع بخط يده، ثم سلمها إلى الوزير الذي بادر بشرح موافقته عليها، وتم للطلاب ما أرادوا.

يجوب الناصر المدن البريطانية داعياً الطلاب إلى الاهتمام بالدراسة، وإلى التمسك بالأخلاق الفاضلة، وتقديم صورة مشرقة للطالب السعودي. يقول أحمد الغامدي (مبتعث ونائب رئيس أندية الطلاب السعوديين) إن الناصر لا يترك مناسبة للمبتعثين إلا حضرها، ويذكر أنه مرة حضر اجتماعاً لرؤساء الأندية في مدينة ليستر الإنكليزية وهو مريض.. تحامل على نفسه من أجل المبتعث ومن أجل خدمة وطنه - كما يقول الغامدي. ويضيف: أمضينا نحن الهيئة الإدارية مع الناصر ليالي وأياماً من شهر رمضان الماضي في المكتب الثقافي، نعد ونصمم كتاب «الأيام السعودية لأندية الطلبة في المملكة المتحدة وايرلندا»، وذات يوم مكثنا إلى نهاية الدوام، فدعانا أبو عبدالعزيز إلى الإفطار في بيته، ولبينا الدعوة، وفي اليوم التالي جدد دعوتنا فاعتذرنا، فأرسل مائدة أفطر عليها كل من في المكتب بمن فيهم الموظفون والطلاب. عدد من الطلاب يذكرون أن الناصر يستجيب لدعواتهم، متنقلاً بين الجزر البريطانية، مستقلاً القطارات، ومتحملاً ساعات الانتظار وتقلبات المناخ من برد ومطر وثلج.

أدرك الناصر أيضاً أهمية تصحيح الصور النمطية عن بلاده، والإسهام في رسم صورة حقيقية عن دينها وثقافتها، ولذا اهتم كثيرا بالمعارض والأيام التي تنظم في المدن البريطانية، وشجع المبتعثين على المشاركة فيها إيماناً منه بأن الابتعاث يتجاوز مجرد التأهيل العلمي إلى إثراء الأفق الثقافي والإنساني. يذكر أحمد الزهراني (رئيس الأندية السعودية) أن إدارة الأندية قدمت للناصر في اجتماع لها في مدينة ليستر طلباً بدعم مالي لخمسة معارض سعودية تقام في كبرى المدن البريطانية، فرد الناصر بالموافقة على سبعة لا خمسة، وتعهد بدعم مالي كبير. ويضيف الزهراني أنه حضر إلى مكتب الملحقية في اليوم التالي، فتناول الناصر ورقة بيضاء وكتب فيها توجيهاً للمدير المالي بتوفير مبلغ محدد لهذه المعارض، وفي حال رفض الوزارة تعويض ذلك الدعم، يتم التسديد من حسابه الشخصي.

يصدر الناصر توجيهات واضحة إلى موظفيه بالاهتمام بالطلاب وإحسان معاملتهم. ويذكر الزهراني في هذا الصدد أن طالباً من ذوي الاحتياجات الخاصة شرح للناصر معاناته من صعود السلالم للوصول إلى المكتب الثقافي، فما كان منه إلا أن أمر بتركيب مصعد في مبنى المكتب. يمثل عبدالله الناصر المواطن السعودي تمثيلاً حسناً. ما هي الوطنية، إن لم تكن حملاً للأمانة، واستشعاراً للمسؤولية، وأداءً للواجب. الناصر، ابن الدرعية، الذي أمضى حقبة طويلة من عمره يتنقل بين الولايات المتحدة والجزائر وبريطانيا، يريد الآن أن يعود إلى بلدته ومزرعته وأصدقاء طفولته. إنه ينتمي إلى أسرة كريمة خدمت هذا الوطن كابراً عن كابر، فجده حمد قاتل مع الملك عبدالعزيز، وكان قائد كتائب أهل الدرعية، وأبوه محمد شارك في معارك عدة منها السبلة والدبدبة وابن رفادة، ثم استقر في مكة لطلب العلم. ويذكر الناصر باعتزاز قصة حدثت له مع والده، فقد هم مرة بالاستقالة من عمله، والعودة إلى بلاده، فخاطبه أبوه بالقول: «إن قوماً سطوا على شاة تملكها امرأة عجوز، فهب رجل من قومها ليطارد المعتدين ويسترد ما اغتصبوه، معرضاً نفسه للموت من أجل شاة، أفلا تصبر من أجل وطن؟».

أخيراً، لا بد من ذكر هذا الموقف. في المراحل الأخيرة من دراستي في جامعة ويلز توفي والدي (رحمه الله) واتصلت بالمكتب للحصول على تذكرة استثنائية للعودة إلى الرياض. حدثني الموظف برسمية زائدة قائلاً: لا بد أن تحضر لنا شهادة الوفاة بعد عودتك، وسنصرف تذكرة لك وحدك، لا لزوجتك وأبنائك. أخذت التذكرة وسافرت، وبعد عودتي بعثت إلى الناصر رسالة فاكس أعاتبه فيها بشأن (شهادة الوفاة) و(التذكرة اليتيمة). اتصل بي هاتفياً فور تلقيه الرسالة قائلاً بلطف: أنا آسف! أي مسؤول هذا الذي يقول بملء فيه: آسف؟! لما التقيت به في حفل تكريمه ذكرته بالموقف، فقال: ما زلت أحتفظ بخطابك، وقد رفعته إلى وزير التعليم العالي مطالباً بصرف تذاكر لأسرة المبتعث عند وفاة أحد والديه، فجاءت الموافقة بذلك.

هذه البلاد أنجبت ولا تزال تنجب رجالاً عظماء. لقد كرَّم الطلاب في بريطانيا وايرلندا فارسهم الذي سيرحل عنهم، ووزعوا في الحفل كتاباً عنه صدّروه بعبارة: «زرعت العطاء، فحصدت الوفاء».. ما قصروا.. لكن عبدالله الناصر يستحق أكثر.

نشر مقالي هذا في (الحياة) يوم الثلاثاء الرابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2007, وهذا رابطه:

http://ksa.daralhayat.com/perspectives/12-2007/Article-20071203-a1cb208b-c0a8-10ed-00c1-a41ef328725c/story.html


IBNKENANA@HOTMAIL.COM

أم المهند
05/12/2007, 04:38 PM
رجل والرجاااااااااال قليل ..

يستحق أكثر من كلمة شكر .. وللأسف فالمبتعثين الجدد لم يحصل لهم التعامل مع هذا الهرم ..

جزاه الله خير الجزاء ومتعه بالصحة والعافية ويسر له

خير أمور الدنيا والآخرة ..

كم أنت رائع بتوجيه هذه السطور لرجل يستحق منا الكثير ..